لسان الدين ابن الخطيب

91

الإحاطة في أخبار غرناطة

وأخذ في أمره مع أبيه وإخوته ، وفتنة ابن مردنيش « 1 » مضطربة ؛ فقال له أخوه محمد وأبوه : إن حركنا حركة كنا سببا لهلاك هذا البيت ، ما بقيت دولة هؤلاء القوم ، والصبر عاقبته حميدة ، وقد كنّا ننهاك عن الممارجة « 2 » ، فلم تركب إلّا هواك ؛ وأخذ مع أخيه عبد الرحمن ، واتفقا على أن يثورا في القلعة باسم ابن مردنيش ، وساعدهما قريبهما على ذلك حاتم بن حاتم بن سعيد ، وخاطبوا ابن مردنيش ، وصدر لهم جوابه بالمبادرة ، ووصلت منه خيل ضاربة ، وتهيّأ لدخول القلعة ؛ وتهيّأ الحصول في القلعة ، وخافوا من ظهور الأمر ؛ فبادر حاتم وعبد الرحمن إلى القلعة ، وتمّ لهما المراد ؛ وأخّر الجبن أبا جعفر ففاتاه ، وتوقّع الطلب في الطريق إلى القلعة ، فصار متخفّيا إلى مالقة ، ليركب منها البحر إلى جهة ابن مردنيش ؛ ووضع السيّد عليه العيون في كل جهة ، فقبض عليه بمالقة ، وطولع بأمره فأمر بقتله صبرا ، رحمه اللّه . جزالته وصبره : قال أبو الحسن بن سعيد : حدّثني الحسين بن دويرة ، قال : كنت بمالقة لمّا قبض على أبي جعفر ، وتوصّلت إلى الاجتماع به ، ريثما استؤذن السيد في أمره حين حبس ، فدمعت عيني لما رأيته مكبولا ؛ قال : أعليّ تبكي بعد ما بلغت من الدنيا أطايب لذّاتها ؟ فأكلت صدور الدجاج ، وشربت في الزّجاج ، وركبت كل هملاج « 3 » ، ونمت في الديباج ، وتمتعت بالسّراري والأزواج ، واستعملت من الشمع السّراج الوهّاج ، وهأنا في يد الحجّاج ، منتظرا محنة الحلّاج ؛ قادم على غافر ، لا يحوج إلى اعتذار ولا احتجاج . فقلت : ألا أبكي على من ينطق بمثل هذا ؟ ثم تفقّد ، فقمت عنه ، فما رأيته إلّا مصلوبا ، رحمه اللّه . شعره « 4 » : [ الطويل ] أتاني كتاب منك يحسده الدّهر * أما حبره ليل ، أما طرسه فجر ؟ به جمع اللّه الأمانيّ لناظري * وسمعي وفكري فهو سحر ولا سحر ولا غرو أن أبدى العجائب ربّه * وفي ثوبه برّ ، وفي كفّه بحر ولا عجب إن أينع الزّهر طيّه * فما زال صوب القطر يبدو به الزّهر

--> ( 1 ) هو أبو عبد اللّه محمد بن سعد بن مردنيش ، أمير شرق الأندلس ( مرسية وبلنسية ) . توفي بمرسية سنة 567 ه . أعمال الأعلام ( القسم الثاني ص 259 ) ، والمنّ بالإمامة ( ص 109 ، 210 ) ، والحلّة السيراء ( ج 2 ص 231 - 233 ) . ( 2 ) الممارجة : الفساد والفتنة ؛ يقال : مرج السلطان رعيّته : خلّاها والفساد . محيط المحيط ( مرج ) . ( 3 ) الهملاج هو الدابة الأصيلة الحسنة السير . لسان العرب ( هملج ) . ( 4 ) البيت الأول فقط في المغرب ( ج 2 ص 165 ) .